ابن أبي جمهور الأحسائي
150
كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال
إليها في الاستدلال ، وجب عليه الرجوع في الأحكام إلى المفتي ، ويجب عليه الاجتهاد في تحصيل معرفته ، وكونه موصوفا بشرائط المفتي ، وتعرف ذلك العامي برؤيته منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق ، وتعظيمهم له ، وإقبالهم عليه ، وأخذهم الفتاوى عنه ، وانتشار فتياه ، إذ مع حصول ذلك يغلب على ظنه أنّه موصوف بشرائط المفتي ، فيرجع إليه في أحكام دينه ، ويأخذ عنه تكليفه ، ولا يصح له أن يستفتي من يظنه غير عالم أو غير متدين . فإن اتحد المفتي تعيّن الأخذ عنه ، ولو تعدد اجتهد المستفتي في طلب المرجح . ويترجح الأعلم على الأورع « 1 » ، ولو تساويا في العلم وكان أحدهما أورع ترجح ، ولو تساويا تخيّرا ، فإذا استفتى واحدا في مسألة لم يجز استفتاء الآخر في نقيضها ، لاستلزامه الجمع بين الحكمين المتنافيين ، ويجوز ان يستفتي الآخر في غيرها من المسائل . وان كان محصلا لبعض العلوم المتوقف عليها الاستدلال أو لجميعها ، لكن لا قدرة له على الاستنباط ، ولا قوة في نفسه يتمكن بها من رد الفروع إلى أصولها ، وجب عليهما الرجوع إلى قول المفتي ، إذ لا فرق بينهما وبين العامي ، في عدم القدرة على تحصيل الحكم بطريق العلم ، فساوياه في وجوب الاستفتاء . وأمّا لو كان محصلا للعلوم ، قادرا على الاستنباط ، متمكنا من الاجتهاد لكن لم يجتهد ، فهل يصح له الرجوع إلى قول المفتي ، أو يتعين عليه الاجتهاد ؟
--> ( 1 ) وهو قول المحقق رحمه اللّه ، لأن الفتوى تستفاد من العلم لا من الورع ، والقدر الذي عنده من الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يعلم ، فلا اعتبار برجحان ورع الآخر . معارج الأصول : ص 201 .